تقدَّر مساحة إقليم الساحل الإفريقي بأكثر من عشرة ملايين كيلومتر مربع، أربع وستون بالمائة من هذه المساحة عبارة عن صحراء جرداء والثلاثون البقية صالحة للزراعة، ويسكن الإقليم

حوالي مائة مليون إفريقي متوزعين على قبائل وأعراق متعددة وبلغات مختلفة أهمها الفرنسية والعربية والأمازيغية والحسانية ولهجات إفريقية محلية كثيرة، كما يعتبر الإقليم أحد أفقر المناطق بالعالم، فنجد النيجر كأفقر دولة بالعالم بأكثر من سبعين بالمائة من السكان تحت خط الفقر في تقرير للأمم المتحدة.

وترتفع بإقليم الساحل نسبة الولادة، الذي يحوي تسع دول إفريقية تمتد من المحيط الأطلسي غربًا إلى الحدود مع السودان شرقا، ويقدر النمو الطبيعي باثنين في المائة وهذا راجع لارتفاع نسبة الخصوبة بسبعة أطفال للمرأة الواحدة في سن الإنجاب، ومع كل هذا النمو الديموغرافي السريع يعاني الإقليم من ضعف حاد في المؤشرات الاقتصادية والتنموية وانتشار كبير للجهل والصراعات والاقتتال الداخلي.

وعاشت دول المنطقة صراعات داخلية، كما مرت بمراحل سياسية صعبة وعسيرة، انعكست على الشعوب بالقهر والفقر في شتى المجالات، حيث عرفت كل هذه الدول انقلابات عسكرية وتمرد بالجيش النظامي باستثناء السنغال التي تعتبر تجربتها الديمقراطية عريقة، ولعل من أغرب ما حدث بشمال مالي هو نزول طائرة “بوينيغ 727” محملة بأطنان من الكوكايين عام 2009 بمطار في منطقة “تاركنت”، قادمة من فنزويلا من أمريكا الجنوبية، موجهة لمجموعات التهريب وعصابات المخدرات بدول المنطقة، وأصبحت المنطقة منذ سنوات خزانا كبيرًا للمخدرات والأموال والسلاح!

وبهذا الشأن، يتركز الاهتمام الإعلامي والسياسي بمنطقة الساحل الإفريقي منذ سنوات حول الصراع القائم، كما تعتبره وسائل الإعلام الدولية خاصة الغربية أحد أخطر المناطق التي تهدد أوروبا من خلال التهريب والهجرة غير الشرعية، في حين يعد ملفا شائكًا وغير واضح المعالم لدى الشعوب المجاورة له، مثل الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا ولا يعتبر محل نقاش لدى الرأي العام المحلي.

سنحاول من خلال هذا التقرير تقريب المفاهيم وشرح الأحداث وخلفيات الصراع الدائر بالمنطقة، والتدخل الأجنبي خاصة الفرنسي، وتوضيح لأهم النقاط التي تشكل هذا الملف المعقد، حيث تمحورت غالبية المشاهد الأمنية والسياسية والاقتصادية حول:

تهريب السلاح والمخدرات والأموال بالمنطقة (من سواحل الأطلسي إلى شبه جزيرة سيناء). تمركز الجماعات الإرهابية كالقاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وبوكو حرام. الاعتداءات الإرهابية على دول المنطقة والجوار كالجزائر وموريتانيا والنيجر. اختطاف السياح والدبلوماسيين والتفاوض بشان إعدامهم أو إطلاق سراحهم. الثورة الليبية والانفلات الأمني والصراع العسكري بين قبائلها. الحملة العسكرية الفرنسية على شمال مالي والنيجر وجنوب ليبيا.

كل هذه الأحداث، لم تأخذ حقها على مستوى الإعلام من التحليل العميق، فباستثناء تغطية الأحداث والتعليق عليها، كانت هناك دراسات أكاديمية غير كافية، وتقارير إعلامية قليلة مقارنة بما يجري في المنطقة منذ سنوات، فحتى تسمية [الساحل] الإفريقي يرى فيه الكثير من المحللين والمتابعين غموضًا ونية مبيتة لأجل فرض المصطلح إعلاميا وسياسيا على المنطقة التي كانت تسمى سابقا بدول جنوب الصحراء، أو منطقة جنوب الشمال الإفريقي أو دول الوسط الإفريقي، وحتى مالي سابقا كانت تسمى بدولة السودان، أو منطقة الغرب الإفريقي التي تقابلها شرقا دول القرن الإفريقي، وغيرها من التسميات الجغرافية حسب التمركز في القارة.

يقول البروفيسور “رابح لونيسي” إن: تسمية الساحل مفروضة قهرا على وسائل الاعلام، ولم تعرف تاريخيا هذه التسمية – أي – “الساحل” بهذا الشكل، ويضيف لونيسي بأن هذه التسمية صنعت بمخابرات فرنسية لأن معنى الساحل مرتبط بالبحر، وفرنسا لها رغبة في العودة إلى المنطقة وفرض مشروعها السابق في فصل دول الشمال الإفريقي عن الصحراء، عبر فرض القوانين الدولية للبحار على الصحراء، ومنه هيمنة الدول العظمى على ثروات منطقة الساحل والتي تزخر بالمعادن والنفط والغاز والطاقة الشمسية.

ويدعو الأدميرال الفرنسي “جون دوفرسك” من باماكو (عاصمة مالي) يوم 16 فبراير 2013 الأمم المتحدة إلى ضرورة التفكير في الاستلهام من قانون البحار لتطبيقه على الصحراء، وهذا ما يعني رغبة الدول العظمى في التحجج بمحاربة الإرهاب من أجل تطبيق سياستها وهيمنتها الاقتصادية.

 

المصدر: المتحدة نيوز