بدأت موريتانيا والجزائر مع أوائل شهر أكتوبر2018 تشغيل المعبر الحدودي التجاري بينهما، وكانت أولى القوافل التي عبرت منه باتجاه موريتانيا، عشرات الشاحنات التي تقل منتجات مخصصة لمعرض المنتجات الجزائرية الذي احتضنته نواكشوط ما بين 23 و29 من اكتوبر2018،

وعكس مستوى نجاح المعرض وأهمية الأنشطة المواكبة له، عمق ومتانة العلاقات الموريتانية الجزائرية، وحجم الآمال الكبيرة المعلقة على هذه الخطوة المتقدمة جدا على طريق الاستجابة لطموحات الشعبين الشقيقين في المزيد من الاندماج والتكامل، ورغبة قيادات البلدين فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وفخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في تطوير وتعزيز علاقات البلدين الشقيقين والدفع بها إلى آفاق أرحب..
فالمعبر الحدودي التجاري بين البلدين كان ثمرة اتصالات ونقاشات بين البلدين أفضت إلى توقيع اتفاقية بين حكومة البلدين في عام 2017 تلتها عملية تهيئة وتحضير المرافق الأساسية التي يتطلبها المشروع، ثم التشغيل الفعلي، وهذه خطوات مرت بها العملية تمخضت في النهاية عن وضع الأساس للبنة جديدة وصرح مهم في علاقات التعاون بين البلدين، ينتظر أن يساهم في خدمة اقتصاد البلدين، ويساهم في تطوير وتنمية المناطق الحدودية بينهما بما يعزز الأمن ويساهم في محاربة الإرهاب والتهريب، وضبط الحدود المشتركة، ويفتح أسواق البلدين أمام بعضهما البعض ويؤدي كذلك إلى انفتاح وتكامل اقتصادي مع بلدان غرب إفريقيا.
يدرك البلدان موريتانيا والجزائر هذه الأبعاد الاقتصادية لذلك كان التفكير وبلورة هذا المشروع من خلال التواصل المباشر بين الحكومتين ووضع الترتيبات القانونية والتنظيمية له، ولذلك ستكون هذه الخطوة الجبارة مكسبا لهما وللتنمية في شبه الإقليم..
وعلى عكس ذلك كان تجربة المعبر المقام بقوة الاحتلال والقهر على حدود موريتانيا الشمالية مع أراضي الجمهورية العربية الصحراوية من طرف الاحتلال المغربي، معبرا يفتقد إلى الشرعية القانونية التي تخوله لعب دور مهم لصالح موريتانيا على عكس المعبر البري مع الجزائر الشقيق..

فما أسس على باطل فهو باطل فالمعبر المقام من طرف الاحتلال المغربي في الأراضي الصحراوية المحتلة المتاخمة لحدود موريتانيا الشمالية يفتقد للصفة القانونية التي تخوله لعب هذا الدور فضلا عن كونه يخدم بشكل أساسي الجانب المغربي الذي يمكنه من تسويق بضائعه إلى موريتانيا وبلدان غرب إفريقيا دون أن تستفيد منه موريتانيا، بل أن موريتانيا بالعكس أصبحت متضررة منه بشكل متزايد..

ففي الـ15 من نوفمبر 2016 ضبطت السلطات الموريتانية عند الكلمتر 55 شحنة كبيرة من المخدرات معبئة داخل شاحنات الخضار، وقبل ذلك في الـ29 من أبريل 2016 ضبطت السلطات الموريتانية كذلك شاحنة تحمل مصنعا لتزوير العملة الوطنية كان هدف ضرب اقتصاد موريتانيا، وهذه أمثلة قليلة من سلسلة نماذج توضح مخاطر واجهت موريتانيا جراء هذا المعبر..
وفضلا ذلك هناك الإشكال القانوني المتعلق بالمعبر فهو مقام على أراضي لا زالت في القانون الدولي أراضي محتلة وبالتالي لا يحق للطرف المحتل تغيير وضعها القائم.
المقارنة بين المكاسب التي تجنيها موريتانيا من معبرها البري مع الشقيقة الجزائر، وما هو منتظر من معبر الاحتلال المغربي في الأراضي الصحراوية المتاخمة لموريتانيا تقودنا إلى المقارنة بين مواقف البلدين حيال موريتانيا تاريخا وحاضر..
ومن أبرز المواقف التاريخية المشرفة للجزائر اتجاه الشعب الموريتاني، تاريخيا وقوفها مع موريتانيا خلال محنة 1989 إثر عمليات التقتيل والإبادة التي تعرض لها الموريتانيون على يد السنغال في الأحداث الدامية المعروفة، حيث كان الجزائر السند والداعم الأقرب لموريتانيا، أما المغرب فمعروف ذلك الموقف المخزي لها اتجاه موريتانيا من هذه الأزمة حيث وقفت مع السنغاليين على حساب شعب يفترض أنه شعب عربي شقيق..
ومن هذه المواقف المخزية أيضا تاريخيا قبل ذلك رفض المغرب الاعتراف باستقلال موريتانيا، بل والادعاءات التي لا تزال تطرح حتى اليوم في الأوساط المغربية حول ما يتوهمونه تبعية موريتانيا لما يسمى العرش المغربي.. وهي ادعاءات لا تزال تجد صداها في الأوساط المغربية وأحيانا يتم التطرق لها حتى في وسائل الإعلام المغربية الرسمية..
وكثيرا ما تبنى المغرب حتى في الحاضر بعض هذه المواقف العدائية اتجاه موريتانيا ففي سنة 2012 صوتت المغرب في مجلس الأمن ضد حصول موريتانيا على مقعد في مجلس الأمن لصالح دولة إفريقية أخرى رغم أن موريتانيا كانت الأقرب على الحصول على هذا المقعد.
وحتى في 2018 حمل خطاب ملك المغرب الذي تلاه وزير خارجيته في القمة الإفريقية بنواكشوط سابقة حين رفض حتى شكر الدولة المضيفة للقمة أو الإشارة إليها مما يعكس التعالي واللامبالاة اتجاه موريتانيا ضمن سلسلة هذه المواقف التي تنم عن احتقار المغرب لموريتانيا وازدرائها بهذا الشعب.
لكن كل هذه المواقف لن تؤثر في موريتانيا، ولن تزيدها إلى ثباتا على مواقفها، وسيثبت التاريخ أن الشعب الموريتاني سيبقى دوما وفيا لأشقائه الحقيقيين الذين يقدرونه ويحترمونه، أما غيرهم فسيكون لسان الحال معهم: وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهلي..