نالت زيارة الرئيس الموريتاني الأخيرة للسودان اهتماما معتبرا في وسائل الإعلام الرسمية والحرة وخاصة المواقع الإخبارية التي غطت الحدث من جوانبه المتعلقة بما ينتظره البلدان من هذه الزيارة على صعيد وتوطيد وتعزيز علاقات التعاون.


الزيارة التي تجسد المستوى المتميز للعلاقات الدبلوماسية، كانت مناسبة لترأس قائدي البلدين أعمال اللجنة العليا المشتركة للتعاون، وكان لافتا وجود تطور كبير في هذا الجانب يعكس أيضا حرص البلدان على الدفع بعلاقاتهما إلى مستويات أرحب من خلال رفع مستوى اللجنة من لجنة وزارية للتعاون إلى لجنة مشتركة عليا للتعاون، كما كان لافتا أن الاجتماعات وفحوى الزيارة جاء للتركيز على تنفيذ وإعداد جدولة لتنفيذ الاتفاقيات العديدة التي سبق وأن وقعها البلدان منذ 2007، وعددها 35 اتفاقية إلى جانب توقيع اتفاقية جديدة، كما كان لافتا أن الاجتماع الجديد لهذه اللجنة العليا جاء لإحياء مسار كان آخر محطاته سنة 2009 وهو تاريخ عقد آخر جولة من جولات لجان التعاون المشتركة وفي ذلك أيضا  تأكيد على أعادة بعث الروح مجددا في علاقات التعاون، وإحساس بضرورة بإنهاء الجمود في علاقات التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين الذي بدأ بداية قوية سنة 2007 بإنشاء شركة "شنقيتل" للاتصالات وهي شركة سودانية في موريتانيا، لكنه شهد بعض التراجع والفتور رغم ما يتشاركه البلدان من علاقات دبلوماسية قوية ومتميزة جدا لم تواكبها علاقات تنموية في نفس المستوى بحسب ما يرى المتابعون..

ما بين 2007 بداية للتجسيد الفعلي لتوطيد العلاقات في المجالات الاقتصادية والتنموية بين البلدين و2017 تاريخ زيارة الرئيس ولد عبد العزيز للسودان تكون قد مرت عشرة سنوات، هي على ما يبدو كافية لبعث الإحساس المشتركة بين البلدين على ضرورة الاستفادة من مزايا وخصائص علاقاتها الدبلوماسية والتاريخية والشعبية في سبيل مصلحة وتقدم بلدين شقيقين..

وتكون هذه الزيارة وما تبعها من اتفاقيات تعاون قد مهدت لدخول البلدان لعشرية أخرى من عهد التعاون بينهما في ظل متغيرات جديدة لاشك سيكون لها تأثيرها الإيجابي بما يخدم تنمية هذه العلاقات التنموية والاقتصادية والسياسية بشكل أفضل ويدفع بها نحو آفاق أرحب.. أهم هذه المتغيرات على الصعيد السوداني رفع العقوبات الأمريكية عن السودان مما يفتح فرصة أفضل لتحديث وعصرنة الاقتصاد السوداني وجذب المستثمرين إلى هذه الأرض البكر المعطاء بخيراتها، وهو أمر مغري لأي بلد كموريتانيا يتوق إلى تعاون بنّاء مع بلد يشترك معه في الكثير من الخصائص ويتقاسم معه العديد من المشتركات..  فيما يتمثل المتغير الآخر على مستوى السودان في إنهاء مشكل دارفور ومشكل الجنوب ونجاح تجربة الحوار السياسي وحصول الانفتاح المطلوب على العالم الغربي. وعلى الصعيد الموريتاني تدخل نواكشوط هذه العشرية الجديد من التعاون بمتغييرات إيجابية أهمها القضاء على التحديات الأمنية على حدود البلاد الشرقية المتاخمة لمنطقة شمال مالي، واستتاب الأمن بشهادة الخبراء والجهات الغربية التي أعطت تزكية للمقاربة الموريتانية في مجال مواجهة الإرهاب وهو نجاح بوأ موريتانيا موقعها دبلوماسيا على مستوى المنقطة والإقليم وجعلها ميدان الحل والربط في ما يتعلق بقضايا المنطقة، وتزعمت بذلك العديد من مبادرات الوساطة في القضايا الإقليمية كما كان من نتائج ذلك قيادتها للعديد من المبادرات الهادفة إلى استتباب الأمن في المنطقة مثل تجمع دول الساحل الخمس وتفاوضها من موقع قوة مع الشركاء الغربيين في كل القضايا المعلقة بهذا الملف، ووجود قواتها في العديد من مناطق إفريقيا الساخنة في مهمات حفظ السلام بطلب من الأمم المتحدة.. أما سياسيا فهناك نظام سياسي مستقر وقوي يحظى بالتفاف شعبي أوسع وتراجع لأدوار الحركات العنصرية المتطرفة المدعومة من المنظمات الغربية والصهيونية بفعل قوة التأثير الدبلوماسي للنظام الحاكم في الدوائر الغربية بسبب حاجة الأنظمة الأوروبية وخاصة فرنسا للأدوار التي يلعبها ضد الإرهاب على الضفة الأخرى من البحر المقابلة للقارة العجوز المسكونة بالخوف من الإرهاب.. فيما ينتظر أن تدخل موريتانيا خلال هذه العشرية عصر الإنتاج الغازي الوفير سنة 2020 بالشراكة ينظر له على أنه سينقل البلد إلى مصاف الدول الغنية، يوازيه عصرنة وتحديث للنسيج الاقتصادي وتوسيع آفاق التعاون والتبادل مع منظمة غرب إفريقيا المعروفة ب"الإكواس"..

هي إذن متغيرات إيجابية في كلا البلدين ينتظر أن تكون لها انعكاساتها على صعيد فتح آفاق أرحب لتعاون تنموي بينهما في ظل تجدد الإرادة والإصرار الملاحظ والرغبة في بلورة تكامل أوسع في مختلف المجالات..

وتختتم هذه الزيارة المهمة على طريق تحقيق هذا التكامل المشتركة على وقع الاتجاه بشكل جدي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في السابق من اتفاقيات تغطي كافة المجالات، إلى جانب توقيع اتفاقيات جديدة تكمل وتعزز فرص الاندماج بينهما.

وتتعلق الوثائق الموقع عليها مجددا بتعزيز التعاون في مجالات الخدمات الجوية وتقنيات الإسكان والعمران والتدريب المهنى والتعاون الشرطي والتخطيط الاستراتيجي والعمل وتحديث الإدارة والمياه والصرف الصحي والمعادن والموانئ البحرية وصناعة السكر.

وتم التوقيع عن الجانب السوداني من طرف وزراء التعاون الدولي والموارد المائية والكهرباء والري والعمل والتنمية المحلية الدكتور والبيئة والتنمية العمرانية والاتصالات وتقنية المعلومات.

واتفق الجانبان على عقد اجتماع اللجنة العليا المقبل في نوفمبر 2018 في نواكشوط وعقد لجنة المتابعة في ظرف ستة أشهر.

 

مختار عبد الباقي