لو حرص إخوتنا الموريتانيون على تجويد السياسة في بلادهم تجويدهم اللغة العربية وطلبوا رشد الحكم طلبهم صفاء الكلام لا تعلق

به عالقة من خطأ لأصبحوا مثالا تتوسمه سويسرا وتتطلع اليه بريطانيا وكل الديمقراطيات العريقة والناشئة. لكنهم اختاروا باب اللغة وسدانتها وفي هذا خير كثير لللغة العربية. وأنا سعيد بهذه الصرامة التي تطلب الكمال فيما تسمع وتقرأ مع ترخصها الشديد مع ولدعبدالعزيز حتى لكأنه نبي انبعث في غير قومه فما يدري ما يقولون وما يدرون ما يقول.
ويلزمني أن اعترف لأصدقائي الموريتانيين الذين هم جمهرة اصدقائي هنا أنني جفلت حين سمعت التقرير الذي كتبته وسجلته دون أن اسمعه !! قلت لا يمكن. كيف حدث هذا؟ كيف صار الرفع مكان الخفض ؟ أيكون هذا من صلاح المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ الذي كنت استقبحت مرة عجزه عن تلاوة آية من كتاب الله تلاوة صحيحة؟ وقد ترجاني يومها بعض أصحابي المورياتنيين لحجب البوست لأن الرجل من بيت علم وتقى ففعلت. غير أن هذا غير ذاك يا صاحبي فلا وجه مقارنة.
اللحن قبيح يؤذي الأذن أذى شديدا ولا يجدر بالكتاب والفصحاء والأئمة والمحدثين والقصاص والمدونين والمنادين على سلعهم في الأسواق أن يلحنوا. وكانت من أشقى الساعات عندي جلسات الخطابة في القمم العربية حيث تدور طاحونة طحن اللغة يوما وبعض يوم تاركة أكبر مجزرة تتعرض لها لغة على وجه الأرض على يد (زعماء) الشعوب العربية. وظني أن سدنة اللغة في موريتانيا يقيمون في تلك الأيام مأتما وعويلا وينادي واحدهم على الآخر وا فاعلاه وا كسراها وا مجروراها.
احرصوا اخوتي الموريتانيين على اللغة فهي مستودع الدين ومستودع العلم وفي العناية بها أجر كثير. ولو وجد في الجنة باب اسمه باب اللغة كباب الريان للصائمين لدخل الموريتانيون من ذلك الباب أكثرهم وما دخل معهم من غيرهم إلا قليل. ولأنني أطمع أن أدخل معهم من ذلك الباب لما قل فعلي من الطاعات الأخرى فسأقدم صدقات أكفر بها عن ذنبي وعن الخطأ الذي أقض مضاجع أصدقائي الموريتانيين والذي أنكرته انكارهم. وقد بدا لي أن النقصان المعتور فعل الناس هو دليل على العجز الجبلي فيهم عن الكمال. وإني لأرجو أن يكون هذا كل حظي من الخطأ. أما أنتم يا سادتي فقد تحمل عنكم (صاحبكم ) أوزاركم من الأخطاء واللحن ومن قلة البيان والتبيين فضلا عن الفاءات.
وقد وسوس لي شيطان لغوي ضليع أن أدافع عن خطئي وأرفعه الى درجة الشاهد في جواز مخالفة الصفة موصوفها في الإعراب. فيمكن ان ترفع صفة مخالفا موصوفها المنصوب حتى اذا جاء ابن مالك آخر في أمة أخرى أورد كلامك شاهدا على الجواز.
وهناك ما هو أيسر من ذلك وأدنى طلبا لمن يريد وهو اذا خالفت بين الصفة وبين المصوف في الإعراب فلا تبتئس إذا صاح بك صائح. أمض سبيلك في الحديث لا تلتفت ولا تتوقف واذا سئلت فقل قال فوزي بذلك.