تأتي الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس غينيا بيساو خوسي ماريو فاز في ظروف و سياقات لا يمكن فصلها عن حالة الجفاء الدبلوماسي

التي تطبع علاقات موريتانيا بجارتها الجنوبية السنغال على خلفية تداعيات رحيل الرئيس الغامبي السابق الديكتاتور يحي جامي.
فنواكشوط التي خسرت أهم حليف في منطقة الجنوب و فقدت كل أوراق التأثير على غامبيا لصالح غريمتها داكار بحاجة لحليف جديد تعوض بيه فقدان صديقها جامي، الذي كانت السنغال تري فيها الجار "المزعج و المشاكس" من خلال دوره فى تغذية تمرد أبرز جناح بالحركة الديمقراطية لتحرير كازمانص.
فالمتتبع لمسار الدبلوماسية الموريتانية يجده خال من أي محطة مميزة طبعت العلاقات الثنائية بين موريتانيا و غينيا بيساو، رغم وجود مصالح موريتانيا هناك تتمثل في جالية تجارية كبيرة. صحيح أن لهذا الأمر تفسيرات بعضها موضوعي كغياب تواصل ثقافي تاريخي بين البلدين و البعد الجغرافي النسبي و تبعية البلدين لثقافتين استعماريتين مختلفين(فرنسا، و البرتغال) و هشاشة الوضع الأمني و السياسي لغينيا بيساو التي نالت استقلالها سنة 1973 و ظلت في دوامة من الانقلابات و الاضطرابات الأمنية و التجاذبات السياسية إلي اليوم، لكن و مع هذا ثمة أيضا تفسير ذاتي لطبيعة هذه العلاقة يتعلق بغياب ثوابت لدى الدبلوماسية الموريتانية تعتمد على البناء التراكمي في العلاقات مع دول جنوب شبه المنطقة خاصة باعتبارها عمقا استراتيجيا و ساحة مفتوحة يسعي كبار اللاعبين الإقليمين لإحراز مواقع سبق و تأثير و نفوذ بها.
جاء رئيس غينيا بيساو فيما يبدو بدعوة من السلطات الموريتانية-التي قيل أنها أرسلت له طائرة تقله و سعت لإعطاء زخم رسمي و إعلامي لزيارته- فالحكومة الموريتانية التي كثفت من رسائل التصعيد ضد داكار اختارت هذه المرة توظيف العلاقات الدبلوماسية مع بيساو حتي تتمكن من الحضور في المشهد الإقليمي و لو باستحياء.
إن التوقف عند عبارة "تعزيز التشاور و التنسيق في الفضاءات التي ينتمي لها البلدين"، التي استخدمها الإعلام الرسمي لوصف الزيارة ، يكفي لمعرفة أن هدف الزيارة يتعلق بسعي نواكشوط لبناء حلف جديد مناوئ لداكار، كما أن وجود وزير مكلف بالصيد بوفد غينيا بيساو قد يساعد في فهم أن ذات الأدوات(حاويات السمك) التي كان يستخدمها النظام الموريتاني لشراء ذمة جامي هي نفسها التي ستستخدم كطعم لتقريب فاز.
من حق الدبلوماسية الموريتانية التطلع للتصدر الإقليمي و منافسة الدول الطامحة لتأمين نفوذها بشبه المنطقة- و هي فعلا تمتلك أدوات كثيرة لتحقيق ذلك إن أُحسن استخدامها-لكن على الدبلوماسية الموريتانية اعتماد مقاربات حكيمة و واعية و ألا تنطلق في تحركها من الارتجالية و ردات الفعل.
فالاستثمار في فاز يعتبر رهانا خاسرا، فهو ليس بمقدوره القيام بذات الدور الذي كان يقوم ب جامي. ففاز الذي كانت داكار تري فيه مقربا من فصيل حركة التمرد الذي ينشط على الحدود بين غينيا بيساو و السنغال أثبت سلوكه في السلطة عكس ذلك من خلال تقربه من داكار و اعتماده عليها حتي في أمنه شخصه إذ سبق و أن طلب من الحكومة السنغالية إرسال وحدة أمنية لتأمينه. و سبق أيضا أن رفض الرجل قبل حوالي خمسة أشهر عرضا من جامي بتأسيس جبهة موحدة للحيلولة دون تدخل داكار في الأوضاع الداخلية للبلدين.
كما أن جناح متمردي كازامانص، الذي يقوده سيزار اتوت بديات، الذي يمكن أن تؤثر فيه بيساو يعتبر الجناح الأضعف داخل الحركة و الأكثر اعتدالا و استعدادا للتفاوض مع داكار.
أما بالنظر للسياق السياسي الحالي بغينيا بيساو فنجد أن دعوة موريتانيا لفاز ليست بالخطوة الذكية فالرجل لا يقف على أرضية سياسية صلبة إذ أنه رئيس منزوع الصلاحيات لصالح وزيره الأول كما يعيش أزمة ثقة حادة و متزايدة مع حزبه(الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو و جزر الرأس الأخضر).

 

سيدي ولد عبد المالك-كاتب و باحث متخصص في الشؤون الإفريقية