تعتبر السياحة في موريتانيا نشاطا وليدا بالمقارنة مع العديد من البلدان التي عرفت السياحة في فترات متقدمة وشكلت موردا اقتصاديا هاما بالنسبة لها,

إذ أن موريتانيا لم تكن وجهة سياحية قبل سنوات الثمانينات , ونتيجة لأسباب جيو_سياسية تغيرت الوجهة السياحية بالنسبة للمجتمعات الأوربية من الجزائر ومالي والنيجر إلى موريتانيا والتي وجد فيها السائح المنتج الأول المغري بالنسبة له وهو الصحراء.
و عرفت البلاد موجات من الزوار القادمين من مختلف البلدان الأوروبية ومن أبريطانيا وأصبحت الوجهة المفضلة لهم , حافظت موريتانيا فيها طوال ثلاث عقود وأكثر على سمعتها من الناحية الأمنية باعتبار الأمن المقوم الأساسي للسياحة ولأي نشاط تنموي بصفة عامة , حيث شهدت البلاد انتعاشا كبيرا للنشاط السياحي , الذي صاحبته فوضى من الناحية الفنية ومن ناحية خدمات الإيواء والبني التحتية السياحية إجمالا , أي أنه لم يوجد حينها كادر بشري متخصص لإبراز المقدرات السياحية  التي يزخر بها البلد , فبدأت السياحة مع بعض الأشخاص غير المختصين والذين ساهم عامل الزمن والتجربة في اكتسابهم خبرات لا بأس بها في المجال , غير أن هذه المجموعة افتقدت الخبرة الكافية لتسويق المنتج السياحي بطريقة معقلنة لينعكس المردود الاقتصادي على البلد بصورة كبيرة ,و لتعزز ثناية العرض والطلب بالرغم من أن إنشاء المكتب الوطني للسياحة سنة 2002 ساهم في عملية التسويق وتصنيف المواقع الأثرية المهمة ..
ولوحظ في تلك الفترة بالذات ازدهارا كبيرا للقطاع , وانتعش السوق السياحي , وبدأت الاستثمارات في مجال الفندقية والنزل والمطاعم والمقاهي تتطور.
 حيث  فتحت “بوين أفريك” أو “أفريك نوار” خطا مباشرا بين باريس _ أطار و مرسيليا _ أطار وشهد سوق العملات ازدهارا هو الآخر , حيث أكد مراقبون أن دخل قطاع السياحة في تلك الفترة فاق دخل قطاعي الصيد والحديد اللذان يعتبران ذروة سنام الاقتصاد الموريتاني.
ساهمت السياحة في موريتانيا طيلة الفترة الماضية في امتصاص البطالة خصوصا في منطقتي آدرار وتكانت التين شكلتا الوجهة السياحية الأولى في موريتانيا , حيث اعتبرت السياحة الثقافية التي تركز على زيارة المعالم والمواقع الأثرية والتاريخية النوع الرئيسي في البلاد إضافة إلى السياحة الإيكولوجية التي تهتم هي الأخرى باكتشاف المحميات الطبيعية إضافة إلى الشواطئ.
إلا أنه ومنذ العام 2008 وبعد سلسلة من الأحداث الإرهابية التي شهدتها موريتانيا كان أشنعها مقتل مواطنين فرنسيين في ألاك ومقتل مواطن أمريكي بنواكشوط , إضافة إلى اختطاف عدد من الرعايا الأجانب , شهدت البلاد تحولا كبيرا في المجال , حيث صنفت الخارجية الفرنسية موريتانيا كـ منطقة حمراء واعتبرت معظم البلدان الأوربية موريتانيا منطقة محظورة على رعاياها , شهد قطاع السياحة وقتها ركودا وجمودا وتراجع عدد الزوار حتى على مستوى سياحة الأعمال والمؤتمرات , كما تراجع مستوى التعاون والتبادل في بعض المجالات التنموية , خصوصا المجالات الاجتماعية والخدماتية.
هي إذا منطقة حمراء بلون الدم و الأعمال التطرفية بالنسبة للفرنسيين , وصحراء مشتعلة اتخذ منها الجهاديين مركزا ومخبئا ونقطة عبور إلى شمال وغرب إفريقيا بالنسبة لباقي أوروبا.
توقفت الحركة السياحية بعدها بشكل عام , وتراجعت الاستثمارات في مجال خدمات الإيواء , وتفاقمت البطالة بنسب كبيرة , وتأثر سوق العملات بشكل كامل , وأغلق بعدها مطار أطار الذي شهد آلاف الرحلات المباشرة , بعدها حاولت السلطات جاهدة تخطي هذه الكارثة التي انعكست حتى على الحياة في مدننا التاريخية , مما تطلب قرارا من اليونسكو حسب مراقبين بشطب أسماء هذه المدن الأربعة شنقيط _وادان_ تيشيت_ ولاتة من قائمة التراث الإنساني بعد تصنيفها قبل عدة عقود .
جاءت مهرجانات المدن القديمة والتي أشرف رئيس الجمهورية على تنظيمها كخطة استعجاليه لإحياء هذه المدن , ورد الاعتبار لها من الناحية الحضارية , ولتساهم بشكل آخر في جذب السياح وإبراز المقدرات وتسويقها بطريقة جديدة , هذا بالإضافة إلى كسر هاجس الخوف لدى البعض بشأن الأمن في المنطقة وتشجيعهم على استئناف السياحة في الصحراء الموريتانية.
إلا أن هذه المهرجان ساهمت في تشجيع السياحة الداخلية فقط , أو خلق نوع جديد منها يمكن أن يعرف بالسياحة “السياسية” , فالغرض من هذه المهرجانات يجب أن يكون أحياءا للدور الحضاري للشناقطة في الفضاء العربي والإفريقي وترميم ما تبقى من معالم وآثار ومختلف الشواهد الحية التي أوشكت على الاندثار والتلاشي بسبب الإهمال والنسيان , وخلق أنشطة ذات مرد ودية على الساكنة بمواجهة الهجرة إلى المدن الكبيرة والتي تهدد هذه المدن الأثرية.
ويمكن الانتهاء إلى أن هذه المهرجانات لم تنجح في تحقيق الهدف المنشود منها , فقد لوحظ خلال هذه النسخة السادسة التي تحتضنها وادان ضعف إقبال السياح , وذالك ما يعود إلى ضعف السياسة التي تنتهجها الجهات المعنية أي المكتب الوطني المختص في تسويق المنتج السياحي والوزارة الوصية المعنية بالعرض , وتحسين وضعية المعالم وتصنيفها وجعلها أماكن جذب لا أماكن طرد لا تتوفر على أبسط البني التحتية السياحية إذا ما استثنينا بعض المبادرات الشخصية .
عكس نسخة ولاتة في العام 2013 والتي اعتبرت نجاحا للموسم السياحي بعد حضور 400 سائح في فعاليتها , رغم التحديات الأمنية المطروحة حينها , وتوغل ولاته في الصحراء على حدود مالي والجزائر.
ويحاول البعض ربط ضعف توافد السياح خصوصا الفرنسيين منهم إلى توتر العلاقات بين باريس ونواكشوط , ولا تزال فرنسا ترفض التراجع عن تصنيف موريتانيا كمنطقة حمراء , رغم الجهود المبذولة في مجال الأمن ,والتي أشاد بها العالم أجمع من بينها فرنسا نفسها.
فعلى الجهات المعنية وضع مهرجانات المدن القديمة في سياقها الطبيعي وإخراجها من وضعها الكرنفالي “السياسي” الحالي , لتؤدي الرسالة المنشودة من وراءها , ولتحقق المطلوب .لماذا زيدان, ولماذا الغوغائيون , والمهرجون يا وزير الثقافة ؟


 بقلم: عبد الله ولد العتيق / خريج قسم السياحة والتراث